“مسيحيون مضطهدون” أم “محتالون”؟.. النمسا تلاحق السوريين حاملي الجواز الأرمني لترحيلهم الى أرمينيا

النمسا ميـديـا – فيينا:

يواجه مئات اللاجئين السوريين من أصول أرمنية في النمسا خطر ترحيلهم وسحب صفة اللجوء منهم، وسط اتهامات تلاحقهم بارتكاب “الاحتيال الاجتماعي”. وتأتي هذه التطورات على خلفية تغيير مفاجئ في سياسة الهجرة النمساوية تجاه هذه الفئة التي فرّت من الحرب السورية وحصلت على اللجوء قبل سنوات.

حراسة مشددة داخل المستشفى لسبعينية مريضة

في واقعة أثارت الكثير من الجدل، أفاد شهود عيان لصحيفة “Der Standard” النمساوية بأن ثلاثة من رجال الشرطة بالزي المدني كانوا يحرسون السيدة “سيتا” (اسم مستعار)، البالغة من العمر 77 عاماً، وهي ترقد على سرير الشفاء في قسم الطوارئ بمستشفى “أوتاكرينغ” (Klinik Ottakring) في فيينا. ونُقلت السيدة المسنة إلى المستشفى إثر إصابتها بانهيار عصبي حاد بعد إبلاغها بقرار ترحيلها الوشيك إلى أرمينيا، وهو البلد الذي لم تعش فيه قط. ووفقاً لعائلتها ومحاميها، فإن قرار سحب اللجوء أصبح نافذاً قانونياً، وحدد موعد ترحيلها يوم الخميس.

قصة الهروب عبر “الممر الأرمني”

تعود جذور القضية إلى موجات اللجوء التي بدأت عام 2014. ففي ظل الحرب الدائرة في سوريا واستهداف الأقليات المسيحية من قبل الجماعات الإرهابية مثل تنظيم “الدولة الإسلامية” (داعش) وجبهة النصرة (التي كان يقودها الرئيس السوري الحالي أحمد الشرع) حسب وصف المصدر، استعانت مئات العائلات السورية الأرمنية بمهربين عرضوا عليهم ممرًا بديلاً وآمنًا عن قوارب الموت في البحر المتوسط. وتمثل هذا الممر في استخراج جوازات سفر أرمنية دون السفر إلى أرمينيا، والقدوم بها إلى النمسا عبر تأشيرات رسمية.

وفي تلك الفترة، كانت دائرة الهجرة واللجوء النمساوية (BFA) على علم بهذه التفاصيل وتغض الطرف عنها. وكان يُمنح هؤلاء حق اللجوء بمجرد إثبات أصولهم السورية (عبر وثائق وجوازات سفر سورية) بهدف “حماية المسيحيين المضطهدين”.

انقلاب مفاجئ في سياسة اللجوء النمساوية

بعد مرور نحو عقد من الزمن، أجرت السلطات النمساوية انعطافة حادة في تعاملها مع هذه الملفات، وبدأت مراجعة واسعة النطاق لسحب اللجوء من السوريين الأرمن. ويُرجّح أن الدافع وراء ذلك هو استئناف المفاوضات الأوروبية مع أرمينيا، واستعداد الأخيرة لاستقبال المرحلين من مواطنيها. وتُشير التقديرات داخل الجالية الأرمنية في فيينا إلى وجود ما يصل إلى 400 قضية مماثلة قيد النظر، فيما يؤكد المحامي “جورج كلامر” (Georg Klammer) أنه يمثل وحده أكثر من 50 حالة.

اتهامات بالاحتيال ومطالبات بمئات الآلاف

تبرر السلطات قرارات الترحيل بأن أرمينيا تُعد “بلداً آمناً” يمكن للمبعدين العودة إليه. وتتهم الهيئة الاتحادية لشؤون الهجرة واللجوء (BFA) العائلات السورية الأرمنية بالتضليل للحصول على اللجوء. وبناءً على ذلك، تحول هؤلاء “المسيحيون المضطهدون” في نظر القانون إلى “محتالين اجتماعيين” تلقوا مساعدات مالية حكومية لسنوات دون وجه حق، وأصبحوا مطالبين بإعادة مبالغ مالية ضخمة تصل في بعض الحالات إلى مئات آلاف اليورو، مع تجاهل تام للضرائب التي دفعوها طوال سنوات عملهم في النمسا.

وفيما يخص عائلة السيدة “سيتا”، يواجه أبناؤها وبناتها أيضاً قرارات ترحيل غير نهائية حتى الآن. وقد فقدت ابنتها بالفعل تصريح العمل الخاص بها كأمين صندوق في إحدى سلاسل السوبرماركت، بينما يعيش أحفادها (الذين يعمل أحدهم في جامعة فيينا الطبية والآخر كمدير مطعم) في حالة قلق دائم على مصير عائلتهم.

انتقادات حقوقية وقانونية

انتقد الخبير القانوني “لوكاس غالهيتنر-غيرتز” (Lukas Gahleitner-Gertz) من منظمة تنسيق اللجوء (Asylkoordination) الإجراءات المتبعة ضد المسنة السورية. وأشار إلى أنه حتى لو كانت القوانين تتيح مراجعة الترحيل إلى الدولة الثانية في حالات ازدواج الجنسية، فإنه يجب مراعاة حقوق الإنسان المتعلقة بالحياة الخاصة والعائلية، خاصة لامرأة قضت حياتها كلها في حلب ولا تملك أي صلات في أرمينيا. وأضاف أن السلطات كان بإمكانها إعطاء الأولوية لاندماج هذه العائلات التي عاشت وعملت في النمسا لأكثر من عشر سنوات دون أي عوائق.

من جانبه، أعلن المتحدث باسم وزارة الداخلية النمساوية، رداً على استفسارات الصحيفة، أن الوزارة ستصدر بياناً رسمياً وتوضيحاً بشأن القضية في وقت لاحق من يوم الخميس.

اظهر المزيد
زر الذهاب إلى الأعلى